«خذ حقيبتك، والبس حذاءك، ولا تنسَ غداءك، وأعطِ هذه الورقة لمعلمتك». وبعد دقيقة يقف الطفل في الرواق وقد لبس حذاءً واحدًا، يحاول أن يتذكر ما الذي يأتي بعد ذلك. ليس هذا عنادًا ولا نقصًا في الذكاء: إنه ببساطة طريقة عمل الذاكرة البشرية. ويشرح أحد أكثر المداخل العملية في علم الذكاء السبب، وما الذي يساعد.
العقل بوصفه نظامًا للمعلومات
منذ الستينيات شبّه كثير من علماء النفس العقل بالحاسوب. تدخل المعلومات عبر الحواس، وتُعالَج، وتُخزَّن في الذاكرة، وتُستدعى عند الحاجة، وتوجّه عمليات الضبط العملية كلها. ولا يسأل الباحثون في هذا التقليد كم هو ذكي الطفل فحسب، بل ماذا يحدث بالضبط في الذهن في أثناء حل المشكلة، وفي أي خطوة تسوء الأمور. والدماغ ليس حاسوبًا بالطبع، لكن المقارنة تساعد على تقسيم التفكير إلى خطوات يمكن دراستها وتعليمها.
الخطوة الأولى هي الانتباه. فمن سيل الأصوات والمشاهد والأفكار لا يُمرّر إلا القليل إلى معالجة أعمق، كما يفعل المصفاة. وما لم يمرّ قط لا يمكن تذكّره: فالطفل الذي كان ينظر من النافذة في أثناء الشرح لم ينسَه، لأنه لم يدخل أصلًا.
الذاكرة العاملة: مكتب صغير
الذاكرة العاملة هي حيث نحتفظ بالمعلومات ونتداولها الآن: رقم هاتف إلى أن نطلبه، وبداية جملة ونحن نقرأ بقيتها، والنتيجة الوسيطة لعملية جمع. إنها مكتب صغير جدًّا. ففي عام 1956 كتب جورج ميلر عن «الرقم السحري سبعة، زائد أو ناقص اثنين»؛ وتشير البحوث اللاحقة، التي لخّصها نيلسون كوان في عام 2001، إلى أننا لا نستطيع فعلًا أن نحتفظ في الذهن إلا بنحو أربع وحدات في وقت واحد.
والوحدة هي ما يحمل معنى لنا. فعشرة أرقام منفصلة يصعب الاحتفاظ بها، لكن رقم الهاتف نفسه مقسّمًا إلى بضع مجموعات مألوفة سهل. ولهذا تضيع التعليمات الطويلة: فالخطوتان الرابعة والخامسة تدفعان الأولى عن المكتب ببساطة. وليس هذا دليلًا على ضعف القدرة، والمكتب عند الأطفال الصغار أصغر أيضًا.
الذاكرة طويلة المدى: كيف ينظّم الخبراء معارفهم
الذاكرة طويلة المدى غير محدودة عمليًّا؛ والمهم هو كيفية تنظيم المعرفة فيها. فالخبراء يختلفون عن المبتدئين بتركيب معارفهم أكثر مما يختلفون بقوة ذاكرتهم. وفي دراسة معروفة أجراها تشي وزملاؤه عام 1981 صنّف الخبراء مسائل الفيزياء بحسب المبدأ الكامن، بينما صنّفها المبتدئون بحسب سمات سطحية، مثل ما إذا كانت المسألة تتضمن سطحًا مائلًا أو نابضًا. وتشكّل المعرفة المنظّمة تنظيمًا جيدًا وحدات كبيرة ذات معنى تشغل مكانًا قليلًا على المكتب الصغير وتترك متّسعًا للتفكير. والمعرفة والتفكير ليسا متنافسَين: فكلما كانت المعرفة أحسن ترابطًا كان التفكير أيسر.
السرعة والتخطيط وتعلّم التعلّم
يعتقد كثيرون أن الطفل الذكي طفل سريع دائمًا. ووجد روبرت ستيرنبرغ شيئًا مختلفًا: فحلّالو المشكلات الجيدون يقضون وقتًا أطول في البداية لفهم المشكلة، ثم ينجزون بقيتها بسرعة أكبر. والأطفال المندفعون يتشبّثون بأول جواب يخطر لهم؛ أما الأطفال المتأملون فينظرون في المهمة كلها أولًا. والمهم ليس السرعة الخام بل كيفية استعمال الوقت.
ووصف ستيرنبرغ أيضًا الخطوات «التنفيذية» التي توجّه التفكير: تمييز المشكلة وتحديدها، واختيار استراتيجية، والتخطيط وتوزيع الوقت، ومراقبة التقدم، واستعمال التغذية الراجعة، أي التعلم من النتائج والأخطاء. وتسمّى القدرة على مراقبة تفكير الإنسان نفسه وتوجيهه ما وراء المعرفة.
هل يمكن تدريب هذه المهارات؟ تعطي الدراسات التي درّبت مهارات التفكير جوابًا واضحًا: فالتدريب المتكرر على نوع واحد من المهام لا يحسّن إلا تلك المهمة، بينما تأتي المكاسب الدائمة حين يتعلم الأطفال استراتيجيات عامة ويمارسونها على مهام مختلفة كثيرة. وبرنامج الإثراء الأداتي لفويرشتاين (1980) مثال معروف لهذا المدخل. وفي عام 2013 راجع دانلوسكي وزملاؤه تقنيات الدراسة الشائعة فوجدوا دعمًا قويًّا على نحو خاص لاثنتين منها: ممارسة الاستدعاء (استرجاع المادة من الذاكرة، بالاختبار الذاتي مثلًا) والتباعد (توزيع الممارسة على عدة أيام). أما إعادة القراءة والتظليل، رغم شيوعهما، فيساعدان أقل بكثير.
ما يساعد في البيت
- أعطِ تعليمة واحدة في كل مرة. وللأطفال الأصغر تكفي خطوة أو خطوتان؛ واطلب منهم أن يردّدوا الخطوات عليك.
- قسّم المهام الكبيرة إلى أجزاء. فقائمة تحقق قصيرة مكتوبة أو مصوّرة تحرّر الذاكرة العاملة للمهمة نفسها.
- خطّط، نفّذ، تحقّق. قبل الواجب اسأل: «ماذا عليك أن تفعل؟ من أين ستبدأ؟» وبعده: «هل نجح؟ ماذا كنت ستغيّر؟»
- امدح التفكير المتأني لا السرعة وحدها: «أعجبتني طريقتك في التحقق من جوابك».
- اختر الاختبار الذاتي بدل إعادة القراءة: أغلق الكتاب وأعِد السرد، واستعمل البطاقات التعليمية، ونظّموا مسابقة عائلية سريعة على العشاء.
- قليل كل يوم أفضل من كثير في الليلة السابقة، فوزّع المراجعة على عدة أيام.
- احمِ النوم. فنوم ليلة جيدة يعين الدماغ على الاحتفاظ بما تعلّمه، والحشو في ساعات الليل المتأخرة على حساب النوم ينقلب على صاحبه.
ويستطيع المعلمون استعمال الأفكار نفسها: خطوات قصيرة مكتوبة على اللوح، واختبار سريع في مادة سابقة في بداية الدرس، ووقت للتفكير قبل أن يجيب أحد.