يستطيع أي شخص اليوم أداء «اختبار ذكاء» على الإنترنت في عشرين دقيقة. لكن تاريخ الاختبارات لم يبدأ برغبة في ترتيب الناس بل بسؤال عملي: كيف نجد الأطفال الذين يحتاجون إلى مساعدة إضافية؟ استغرق البحث عن جواب نحو مئة عام، وكان مليئًا بالأخطاء والاكتشافات.
قبل بينيه: من الأطباء إلى المختبرات
في عام 1838 فصل الطبيب الفرنسي جان إتيان إسكيرول الإعاقة الذهنية عن المرض النفسي وعدّ استخدام اللغة المعيار الأساسي لتحديدها. وفي إنجلترا نشر فرانسيس غالتون، ابن عم تشارلز داروين من جهة واحدة (كانا يشتركان في جدّ)، كتاب العبقرية الوراثية عام 1869. قاس قدرات حسية بسيطة كحدّة البصر والسمع وسرعة الاستجابة. وبيّن غالتون أن سمات بشرية كثيرة تتبع التوزيع الطبيعي، المنحنى الجرسي المألوف، واستخدم الارتباط لمقارنتها. وكان أيضًا من أوائل من استخدموا الاستبيانات ومقاييس التقدير. لكن غالتون اعتقد أن القدرات موروثة بالكامل تقريبًا، وهو افتراض قوي غير مقبول اليوم.
في عام 1879 افتتح فيلهلم فونت أول مختبر لعلم النفس. تعامل مع الفروق الفردية على أنها خطأ قياس، لكنه بيّن أن العمليات العقلية يمكن قياسها. وفي عام 1890 صاغ عالم النفس الأمريكي جيمس ماكين كاتل مصطلح «الاختبار العقلي». غير أن اختباراته الحسية لم تستطع التنبؤ بمن سينجح في المدرسة.
بينيه وسيمون: اختبار للمساعدة
في عام 1895 اقترح عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيه، مع فيكتور هنري، قياس الوظائف العليا للعقل — الذاكرة والخيال والانتباه والفهم — لا الإحساسات البسيطة. وفي عام 1904 شكّلت وزارة التعليم الفرنسية لجنة لإيجاد طريقة لتحديد التلاميذ المحتاجين إلى مساعدة إضافية. ولهذا الغرض أنشأ بينيه والطبيب تيودور سيمون أول مقياس للذكاء عام 1905: 30 مهمة، من السهل إلى الصعب، جُرّبت على 50 طفلًا بين 3 و11 سنة.
في عام 1908 صنّف المؤلفان المهام حسب العمر، من 3 إلى 13، وفي عام 1911 راجعا المقياس مرة أخرى. ومن هنا نشأت فكرة العمر العقلي: إذا استطاع طفل أداء المهام التي ينجزها عادةً أبناء الثامنة فعمره العقلي 8، أيًّا كان عمره الحقيقي.
وحذّر بينيه نفسه من أن نتيجة الاختبار مؤقتة: تُظهر حالة الطفل الراهنة لا مصيره، ويمكن تنمية القدرات العقلية بالممارسة والتدريس الجيد. أنشأ الاختبار للمساعدة لا للوسم.
من العمر العقلي إلى معامل الذكاء
في عام 1912 اقترح عالم النفس الألماني ويليام شتيرن قسمة العمر العقلي على العمر الحقيقي — وهكذا وُلد معامل الذكاء (IQ). وفي عام 1916 كيّف لويس تيرمان من جامعة ستانفورد مقياس بينيه للولايات المتحدة (ستانفورد-بينيه) وضرب النسبة في 100. فمثلًا طفل في الثامنة عمره العقلي 10 معامل ذكائه 125.
في عام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، كان لا بد من اختبار أعداد كبيرة من المجنّدين بسرعة. أدى هذا إلى أولى الاختبارات الجماعية: اختبار الجيش «ألفا» الكتابي، واختبار «بيتا» المصوّر لمن لا يجيدون القراءة. وصار بالإمكان اختبار عشرات الأشخاص دفعة واحدة بالورقة والقلم.
في عام 1939 أدخل ديفيد وكسلر مقياسًا جديدًا من جزأين: لفظي (كالفهم والحساب مثلًا) وأدائي (كبناء أنماط من المكعبات وترتيب الصور). والأهم أنه تخلّى عن العمر العقلي الذي لا يناسب البالغين، وأدخل معامل الذكاء الانحرافي: تُقارن نتيجة الشخص بنتائج من هم في عمره. المتوسط 100؛ ونحو 68% من الناس يحصلون على ما بين 85 و115، ونحو 95% على ما بين 70 و130. وتبعتها نسخة للأطفال (WISC) عام 1949.
الاختبارات حول العالم
سرعان ما كُيّفت الاختبارات للغات وبلدان أخرى. ففي مصر مثلًا طُوّرت اختبارات محلية منذ الثلاثينيات، وظهرت نسخ عربية من ستانفورد-بينيه عامي 1938 و1956. وأظهرت التجربة أن مجرد ترجمة الاختبار لا يكفي: يجب أن تناسب المهام لغة الأطفال وثقافتهم، وأن تُحدَّد المعايير — متوسط النتائج لكل عمر — في البلد نفسه. والمعايير تتقادم أيضًا: في عام 1984 بيّن جيمس فلين أن متوسط الدرجات في الولايات المتحدة كان يرتفع بنحو 3 نقاط كل عقد. ولهذا تحتاج الاختبارات إلى إعادة تقنين بانتظام.
ماذا يعلّمنا هذا التاريخ
اختُرعت اختبارات الذكاء لمساعدة الأطفال المحتاجين إلى الدعم، ولا يزال ذلك أفضل استخدام لها. ويقدّم هذا التاريخ لأولياء الأمور والمعلمين بضعة دروس: - نتيجة الاختبار مؤقتة — قال بينيه ذلك منذ البداية. فهي تُظهر وضع اليوم، لا حكمًا مدى الحياة. - لا يُظهر الاختبار إلا ما قاسه. اسأل أي القدرات قُيّمت، وأي اختبار استُخدم، وهل تناسب معاييره أطفالًا مثل طفلك. - الاختبار الجيد ثابت (نتائجه مستقرة) وصادق (يقيس فعلًا ما وُضع لقياسه) في آن واحد. - أهم سؤال بعد أي اختبار هو: كيف سنساعد الطفل الآن؟