الرئيسية / علم الذكاء

الذكاء العملي و«الميتيس» عند اليونان

لماذا يتألق بعض الأطفال الذين يتعثرون في الاختبارات المدرسية في السوق أو في الورشة أو في الملعب: الذكاء العملي عند ستيرنبرغ، وفكرة الميتيس اليونانية، والحدّ بين الحذق والحكمة، وكيف ينمو هذا النوع من الذكاء.

يتعثّر بعض الأطفال في الرياضيات المكتوبة لكنهم لا يخطئون في حساب الباقي في البازار أبدًا. ويعود بعض المراهقين إلى البيت بدرجات متوسطة لكنهم يستطيعون إصلاح دراجة، أو تهدئة شجار، أو قراءة مباراة كرة قدم كما يقرأها المدرب. يسمّي علماء النفس هذا الذكاء العملي — وقد تبيّن أن اليونان القدماء كانت لهم كلمة خاصة له.

ستيرنبرغ: ذكاء للحياة الواقعية

في كتابه «ما وراء معامل الذكاء» (1985) اقترح عالم النفس الأمريكي روبرت ستيرنبرغ نظرية ثلاثية للذكاء، أي من ثلاثة أجزاء. القدرة التحليلية هي ما تقيسه الاختبارات والمدارس في الغالب: التحليل والمقارنة والحكم. والقدرة الإبداعية تعيننا على مواجهة المواقف الجديدة وعلى الابتكار. والقدرة العملية تتيح لنا تطبيق ما نعرفه في الحياة اليومية. فالذكاء عند ستيرنبرغ يظهر في التكيّف مع بيئتنا، وفي تشكيلها، وفي اختيار بيئة أخرى عند الضرورة.

ويستند جزء كبير من الذكاء العملي إلى المعرفة الضمنية، التي نادرًا ما تُعلَّم صراحةً وتُكتسب غالبًا من التجربة: كيف تهدّئ عميلًا منزعجًا، أو متى تطلب المساعدة.

ولاحظ كارّاهر وكارّاهر وشليمان (1985) أطفالًا برازيليين يبيعون البضائع في الشارع. كانوا في السوق يحسبون الأسعار والباقي بسرعة وصواب، لكن عمليات مشابهة أُعطيت لهم على شكل تمارين مدرسية مكتوبة جاءت أسوأ بكثير. فالمعرفة مرتبطة بسياقها: الشارع والمدرسة كلاهما يعلّم الرياضيات، وأفضل تعلّم هو ما يصل بينهما.

الميتيس: ذكاء اللحظة المناسبة

في عام 1974 خصّص العالمان الفرنسيان مارسيل ديتيان وجان-بيير فيرنان كتابًا للميتيس، الكلمة اليونانية لذكاء عملي حاذق يظهر في الفعل لا في الكتب. ونقطة انطلاقهما مشهد من «إلياذة» هوميروس: سباق عربات. كانت خيول الشاب أنتيلوخوس أبطأ من خيول منافسيه. فذكّره أبوه نسطور بأن الحطّاب وربّان السفينة وسائق العربة ينجحون بالمهارة لا بالقوة. وفي أثناء السباق لاحظ أنتيلوخوس مقطعًا ضيّقًا أفسدت فيه مياه الأمطار المضمار، فاستبصر فرصته وتجاوز مينيلاوس في اللحظة المناسبة تمامًا. واحتجّ منافسه بأن الحركة غير عادلة، فاعتذر الشاب. فاليونان أنفسهم إذًا كانوا يتجادلون في أين ينتهي الحذق.

ويحدّد المؤلفان صفات الميتيس:

  • اليقظة — البقاء متنبّهًا؛
  • البصيرة — رؤية بضع خطوات إلى الأمام؛
  • المرونة — تغيير الخطة حين يتغير الموقف؛
  • السرعة — التصرف بسرعة من غير تهوّر؛
  • حسّ التوقيت — كان اليونان يسمّون اللحظة المناسبة «كايروس»؛
  • التجربة — الكبار ذوو التجربة يرون الماضي والمستقبل معًا.

الثعلب والأخطبوط وميادين الميتيس

صوّر اليونان الميتيس بالحيوانات. فالثعلب يتملّص من الشَّرَك ويجعل الصيّاد صيدًا بانقلاب مفاجئ. والأخطبوط يمتزج بصخرته ويتخذ لونها ويتشبّث بها. وقابله الكتّاب اليونان بالحرباء: الأخطبوط، قالوا، يتغيّر عن ضبط للنفس، والحرباء عن خوف. هذا رمز وليس علم أحياء، لكن الدرس مفيد: فالمرونة النابعة من ذهن هادئ غير التغيّر عن خوف. والنموذج البشري للميتيس هو أوديسيوس، البطل الذي يجد مخرجًا من كل ضيق.

وكانت الميتيس مطلوبة حيثما تتغيّر المواقف بسرعة: في الملاحة حيث يقرأ الربّان الريح والنجوم؛ وفي الحِرَف؛ وفي الطب حيث يقارن الطبيب الحالة الراهنة بالحالات السابقة ويختار اللحظة المناسبة للتصرف؛ وفي تدبير الدولة حيث أُعجب الناس بثيميستوكليس لبصيرته؛ وفي الرياضة.

واختار مترجم الكتاب إلى العربية كلمة «الحِيَل» عنوانًا له — وهي الكلمة نفسها التي يحملها اسم «كتاب الحيل» لبني موسى (بغداد، القرن التاسع). وفي الكلام اليومي كثيرًا ما تحمل «الحيلة» معنى سلبيًا، لكنها هنا تعني الابتكار وسعة الحيلة.

الحذق والحكمة

لماذا فقد هذا الذكاء مكانته؟ وضع أفلاطون المعرفة الدقيقة — العدّ والقياس والوزن — فوق التخمين، وأنزل الطب والملاحة وقيادة الجيوش مرتبةً أدنى. وفصلت الفلسفة اليونانية الوجود الثابت عن العالم المتغيّر، والميتيس تنتمي كليًّا إلى ذلك العالم المتغيّر. وأنقذها أرسطو جزئيًا: فحكمته العملية (فرونيسيس) تتعامل مع المواقف المتغيّرة ومع ما هو محتمل. لكنه رسم حدًّا واضحًا بين الحكمة العملية ومجرد الحذق الذي قد ينزلق إلى الخداع.

وذلك الحدّ مهم للأطفال أيضًا. فالميتيس تدور حول التخطيط والبصيرة وحسن التوقيت، لا حول الغش. الحذق يسأل: «هل سينجح؟» والحكمة تسأل أيضًا: «هل هو عادل؟» واعتذار أنتيلوخوس يدل على أن اليونان كانوا يعرفون الفرق جيدًا.

في الممارسة: كيف ينمو الذكاء العملي

  • التجربة: أعطِ مسؤوليات حقيقية — التسوّق بمبلغ محدد من المال، وطهو طبق، وتخطيط رحلة، وإصلاح صغير.
  • المرشدون: المعرفة الضمنية تنتقل من شخص إلى شخص، فدَع طفلك يعمل بجوار قريب ماهر أو حِرَفي أو مدرّب.
  • الصنع ثم الاستعمال: بنى أوديسيوس قاربه ثم قاده. ابنوا بيتًا للطيور وراقبوا الطيور؛ خيطوا حقيبة واستعملوها.
  • مراجعة ما حدث: بعد لعبة أو مهمة اسأل: «ماذا لاحظت؟ ماذا استبصرت؟ ماذا كنت ستفعل بشكل مختلف في المرة القادمة؟»
  • الشطرنج والطاولة والرياضة: تعلّم انتظار اللحظة المناسبة بدل التعجّل.
  • ربط المدرسة بالحياة: يستطيع المعلمون إدخال مواقف حقيقية في الدروس.

إن كانت درجات طفلك متوسطة فانظر عن قرب: الذكاء العملي حقيقي ويستحق الاحترام. استعمله طريقًا نحو التعلم المدرسي، لا عذرًا للتخلي عنه.

المصادر وقراءات إضافية

  1. Detienne, M., Vernant, J.-P. Hiyal al-dhaka' [Les Ruses de l'intelligence: la mètis des Grecs], Arabic transl. M. Maher. Cairo, 2000 (original: 1974).
  2. Sternberg, R. J. Beyond IQ: A Triarchic Theory of Human Intelligence. Cambridge University Press, 1985.
  3. Carraher, T. N., Carraher, D. W., Schliemann, A. D. Mathematics in the streets and in schools. British Journal of Developmental Psychology, 3(1), 1985.