قليلة هي الأفكار في علم النفس التي سافرت خارج المختبر بعيدًا كما سافرت نظرية الذكاءات المتعددة. لكن كلما ازدادت فكرة شعبية ازداد تبسيطها، وأحيانًا تشويهها. لننظر فيما قاله هوارد غاردنر فعلًا، وما لم يقله، ولماذا ما زال موقعنا يجد نظريته مفيدة.
من أين جاءت النظرية
عمل هوارد غاردنر، عالم النفس من جامعة هارفارد، مع مجموعتَين مختلفتَين جدًّا: أطفال موهوبين وبالغين أصيبوا بتلف في الدماغ. ورأى أن تلف الدماغ قد يسلب قدرة واحدة ويترك الأخريات سالمة، وأن بعض الأطفال استثنائيون في مجال واحد وعاديون في ما سواه. وجعلته الملاحظتان معًا يشكّ في أن الذكاء شيء واحد.
وفي عام 1983 وصف في كتاب «أُطر العقل» سبعة ذكاءات. وفي التسعينيات أضاف الثامن، الذكاء الطبيعي، وشرحه في «إعادة تأطير الذكاء» (1999). ويعرّف غاردنر الذكاء بأنه القدرة على حل المشكلات أو إنتاج أعمال لها قيمة في ثقافة ما. أي أن تأليف لحن، أو بناء بيت متين، أو حلّ شجار بإنصاف يُحتسب أيضًا، لا الإجابة عن أسئلة الاختبار وحدها.
ثمانية معايير وثمانية ذكاءات
اقترح غاردنر ثمانية معايير ينبغي أن يستوفيها أي ذكاء مرشَّح:
- يمكن أن يُفقد وحده أو يُحفظ وحده بعد إصابة في الدماغ؛
- يظهر ظهورًا استثنائيًا عند الأطفال المعجزة وعند «السافانت» ذوي الموهبة الواحدة المذهلة؛
- له عمليات أساسية خاصة به، كإدراك طبقة الصوت والإيقاع في الموسيقى؛
- له مسار نمو خاص به من المبتدئ إلى الخبير؛
- له جذور في التطور البشري؛
- يدعمه علم النفس التجريبي؛
- تدعمه نتائج الاختبارات النفسية؛
- يمكن تسجيله في نظام رموز: حروف، نوتات موسيقية، أرقام، خرائط.
والذكاءات الثمانية هي:
- اللغوي-اللفظي — الكلمات والقراءة وسرد القصص؛
- المنطقي-الرياضي — الأعداد والأنماط والسبب والنتيجة؛
- البصري-المكاني — الصور والأشكال والخرائط؛
- الجسمي-الحركي — الاستعمال الماهر للجسم واليدين؛
- الموسيقي — الإيقاع واللحن والصوت؛
- الاجتماعي — فهم الآخرين والعمل معهم؛
- الذاتي — معرفة الإنسان مشاعره وأهدافه وحدوده؛
- الطبيعي — تمييز الكائنات الحية وخصائص الطبيعة وتصنيفها.
وفي كل إنسان الثمانية جميعًا بتركيبة خاصة به.
ما الذي ليست النظرية إيّاه
- ليست أساليب تعلّم. الذكاء قدرة على العمل بنوع من المحتوى، كالأصوات أو الكلمات أو الناس؛ أما «أسلوب التعلّم» فهو تفضيل مفترض لطريقة تلقّي المعلومات («أتعلم بعينيّ على أفضل وجه»). وقد كتب غاردنر نفسه في عام 2013 أن الاثنين لا ينبغي الخلط بينهما، ولم تُظهر البحوث أن تكييف الدروس مع مثل هذا الأسلوب يحسّن التعلم.
- ليست تصنيفًا يُلصق بالطفل. قد يبدو قول «إنه طفل موسيقي» لطيفًا، لكنه قد يغلق أبوابًا أخرى. ويحذّر غاردنر من وسم الأطفال: فالملامح تتغير مع التجربة والتعليم والفرص.
- ليست اختبارًا. لا يوجد اختبار موثوق جيد الصلاحية يقيس ثمانية ذكاءات منفصلة.
- ليست رفضًا لبحوث القدرة العامة. فاختبارات القدرة العامة تتنبأ بالنتائج المدرسية تنبؤًا جيدًا إلى حد معقول، ومن يُجيد نوعًا من المهام الذهنية يميل إلى إجادة الأنواع الأخرى — وهو ما يسميه علماء النفس العامل العام g. ولا تلغي النظرية هذه النتائج؛ بل تؤكد أن الاختبارات المدرسية لا تلتقط إلا جزءًا مما يستطيعه الناس.
ما يقوله النقاد — ولماذا ما زال المعلمون يستعملونها
لا تزال النظرية، بوصفها نظرية علمية، محلّ جدل. فقد خلصت ووترهاوس في مراجعة نقدية عام 2006 إلى أن الأدلة التجريبية على وجود الذكاءات بوصفها قدرات منفصلة قليلة جدًّا. وفي العام نفسه اختبر فيسر وأشتون وفيرنون أناسًا بمهام لكل ذكاء، فوجدوا أن معظم الذكاءات القائمة على «التفكير» — اللغوي، والمنطقي-الرياضي، والبصري-المكاني وغيرها — مرتبطة بالعامل العام g. أي أنها أقل استقلالًا مما تقترحه النظرية.
فلماذا ما زال المعلمون يجدونها مفيدة؟ لأنها تغيّر نظرتهم إلى الصف:
- مداخل عديدة إلى الموضوع الواحد: فدرس عن الأنهار قد يضم قصة وقياسات وخريطة وأغنية ونقاشًا جماعيًّا، فيجد عدد أكبر من التلاميذ طريقًا إليه؛
- ملاحظة نقاط القوة التي تفوّتها الدرجات المدرسية؛
- نظرة أوسع إلى النجاح: فالنجّار الماهر والممرّضة والموسيقي يستعملون الذكاء أيضًا.
هذه فوائد تعليمية، لا دليل على صحة النظرية.
كيف تستعمل «الذكاءات المتعددة» النظرية
الذكاءات المتعددة عندنا لغة مشتركة: طريقة يلاحظ بها الآباء والمعلمون والأطفال نقاط القوة ويتحدثون عنها. وفي الممارسة نحن:
- نجمع الملاحظات من عدة مصادر: الوالدين والمعلم والطفل أو المراهق؛
- نقارن آراءهم ونبحث عن الأنماط، لا عن ذكاء «رئيسي» واحد؛
- لا نحوّل النتائج أبدًا إلى رقم أو ترتيب أو حكم على مستقبل الطفل، ونعيد النظر فيها كلما كبر؛
- نتذكر أن صعوبات التعلم أو الأسئلة المتعلقة بالنمو تحتاج إلى تقييم متخصص لا تحل استباناتنا محله.
وفي البيت لاحظ ما يختاره طفلك بحرّية، وقدّم له تجارب متنوعة، واستعمل نقطة قوة جسرًا إلى مجال أضعف: فالطفل الذي يحب القصص يستطيع أن يحوّل مسألة رياضية إلى قصة. الهدف ليس حشر الطفل في «نوع» واحد، بل توسيع الطرق التي يمكن أن ينمو فيها.